مجمع البحوث الاسلامية

353

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الفخر الرّازيّ : والمشهور أنّ هاهنا إضمارا ، تقديره : يقال لهم : هذه جهنّم . ويحتمل أن يقال : معناه هذه صفة جهنّم ، فأقيم المضاف إليه مقام المضاف ، ويكون ما تقدّم هو المشار إليه ، والأقوى أن يقال : الكلام عند النّواصي والأقدام قد تمّ . وقوله : هذِهِ جَهَنَّمُ لقربها ، كما يقال : هذا زيد قد وصل ، إذا قرب مكانه ، فكأنّه قال : جهنّم الّتي يكذّب بها المجرمون هذه قريبة غير بعيدة عنهم . ويلائمه قوله : ( يكذّب ) لأنّ الكلام لو كان بإضمار يقال ؛ لقال تعالى لهم : هذه جهنّم الّتي كذّب بها المجرمون ، لأنّ في هذا الوقت لا يبقى مكذّب ، وعلى هذا التّقدير يضمر فيه : كان يكذّب . ( 29 : 121 ) الأصول اللّغويّة 1 - جزم بعض اللّغويّين عربيّة لفظ « جهنّم » ، أي نار الآخرة ، وشكّ آخرون في ذلك ، وعزوه إلى الفارسيّة أو العبريّة . فمن قال بعربيّته اشتقّه من : الجهم والجهومة ، أي الغلظة والكراهة . يقال : رجل جهم الوجه ، أي غليظه ، فنونه زائدة كزيادتها في بعض الألفاظ ، نحو : عشنّق وسفنّج وهجنّف وضغنّط ، فهو على وزن « فعنّل » . ومنه : بئر جهنّم وجهنّام ، أي بعيدة القعر ؛ وبه سمّيت جهنّم ، لبعد قعرها ، ولم يقولوا : جهنّام فيها . ومنع من الصّرف للعلميّة والتّأنيث . ومن قال بأعجميّته عدّه فارسيّ المنشأ ، وأصله - كما قيل - « جهنام » أو « كهنام » ، أو عبريّ المنشأ ، وأصله « جهنام » أو « جيهنوم » أو « جيحنّون » ، أي وادي « هنوم » قرب القدس . واحتمل آخرون أن يكون يونانيّا أو حبشيّا ، وهو احتمال ضعيف . 2 - ولا غبار على قول من قال : إنّه عربيّ ؛ إذ أصبح بعد النّقل علما ، فاجتمعت العلميّة والتّأنيث - كما قالوا - فمنع من الصّرف . ناهيك من أنّ معناه - أي بعد القعر - يناسب وصف جهنّم ؛ إذ تحكي الأخبار أنّها مهوى سحيق . ولعلّ لفظ الإلقاء في القرآن يفيد هذا المعنى ، كقوله تعالى : فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً الإسراء : 39 ، وغيرها من الآيات ، كالإلقاء في الجحيم والعذاب واليمّ والجبّ ، انظر الاستعمال القرآنيّ لمادّة « ل ق ي » . ونرى استعمال هذا المعنى في العهد القديم والجديد أيضا ، ومنه : « تهبط إلى مغاليق الهاوية » أيّوب ( 17 : 16 ) و « تطرح في جهنّم في النّار الّتي لا تطفأ » مرقس ( 9 : 45 ) . 3 - وما قيل : إنّ « جهنّم » لفظ أعجميّ ، كلام لا يعتدّ به ؛ إذ لم نعثر في اللّغة الفارسيّة على لفظ « جهنام » أو « كهنام » كما زعموا . كما أنّ بين لفظي « جهنام » و « جيهوم » العبريّين و « جهنّام » و « جهنّم » العربيّين ، توافق لفظيّ ومعنويّ ، ولا يمكن في هذه الحال تعيين